📷 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته ، المتبعين لأمره ، التاركين لزجره ، وأطاب لهم لفظه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم . قال قتادة : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) يقول : فبرحمة من الله لنت لهم . و  ما  صلة ، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ، المائدة : 13 ] وبالنكرة كقوله : ( عما قليل ) [ المؤمنون : 40 ] وهكذا هاهنا قال : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : برحمة من الله . وقال الحسن البصري : هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به . وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] . وقال الإمام أحمد : حدثنا حيوة ، حدثنا بقية ، حدثنا محمد بن زياد ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : أخد بيدي أبو أمامة الباهلي وقال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :  يا أبا أمامة ، إن من المؤمنين من يلين لي قلبه  . انفرد به أحمد . ثم قال تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) الفظ : الغليظ ، [ و ] المراد به هاهنا غليظ الكلام ، لقوله بعد ذلك : ( غليظ القلب ) أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ، ولكن الله جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد الله بن عمرو : إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي ، حدثنا عمار بن عبد الرحمن ، عن المسعودي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض  حديث غريب . ولهذا قال تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث ، تطييبا لقلوبهم ، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم [ كما ] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب ، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [ شمالك ] مقاتلون . وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل ؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت ، بالتقدم إلى أمام القوم ، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ، فخرج إليهم . وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ ، فأبى عليه ذلك السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فترك ذلك . وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين ، فقال له الصديق : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال . وقال عليه السلام في قصة الإفك :  أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم ، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن - والله - ما علمت عليه إلا خيرا  . واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ، رضي الله عنها . فكان [ صلى الله عليه وسلم ] يشاورهم في الحروب ونحوها . وقد اختلف الفقهاء : هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟ على قولين . وقد قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر ، حدثنا سعيد بن [ أبي ] مريم ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في قوله : ( وشاورهم في الأمر ) قال : أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وهكذا رواه الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزلت في أبي بكر وعمر ، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين . وقد روى الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر :  لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما  . وروى ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم ؟ قال  مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم  . وقد قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شيبان عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  المستشار مؤتمن  . ورواه أبو داود والترمذي ، وحسنه [ و ] النسائي ، من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط منه . ثم قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أسود بن عامر ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  المستشار مؤتمن  . تفرد به . [ وقال أيضا ] وحدثنا أبو بكر ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه . تفرد به أيضا . وقوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أي : إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ( إن الله يحب المتوكلين )

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته ، المتبعين لأمره ، التاركين لزجره ، وأطاب لهم لفظه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم . قال قتادة : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) يقول : فبرحمة من الله لنت لهم . و  ما  صلة ، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ، المائدة : 13 ] وبالنكرة كقوله : ( عما قليل ) [ المؤمنون : 40 ] وهكذا هاهنا قال : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : برحمة من الله . وقال الحسن البصري : هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به . وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] . وقال الإمام أحمد : حدثنا حيوة ، حدثنا بقية ، حدثنا محمد بن زياد ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : أخد بيدي أبو أمامة الباهلي وقال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :  يا أبا أمامة ، إن من المؤمنين من يلين لي قلبه  . انفرد به أحمد . ثم قال تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) الفظ : الغليظ ، [ و ] المراد به هاهنا غليظ الكلام ، لقوله بعد ذلك : ( غليظ القلب ) أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ، ولكن الله جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد الله بن عمرو : إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي ، حدثنا عمار بن عبد الرحمن ، عن المسعودي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض  حديث غريب . ولهذا قال تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث ، تطييبا لقلوبهم ، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم [ كما ] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب ، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [ شمالك ] مقاتلون . وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل ؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت ، بالتقدم إلى أمام القوم ، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ، فخرج إليهم . وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ ، فأبى عليه ذلك السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فترك ذلك . وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين ، فقال له الصديق : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال . وقال عليه السلام في قصة الإفك :  أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم ، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن - والله - ما علمت عليه إلا خيرا  . واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ، رضي الله عنها . فكان [ صلى الله عليه وسلم ] يشاورهم في الحروب ونحوها . وقد اختلف الفقهاء : هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟ على قولين . وقد قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر ، حدثنا سعيد بن [ أبي ] مريم ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في قوله : ( وشاورهم في الأمر ) قال : أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وهكذا رواه الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزلت في أبي بكر وعمر ، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين . وقد روى الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر :  لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما  . وروى ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم ؟ قال  مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم  . وقد قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شيبان عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  المستشار مؤتمن  . ورواه أبو داود والترمذي ، وحسنه [ و ] النسائي ، من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط منه . ثم قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أسود بن عامر ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  المستشار مؤتمن  . تفرد به . [ وقال أيضا ] وحدثنا أبو بكر ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه . تفرد به أيضا . وقوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أي : إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ( إن الله يحب المتوكلين )

📷 فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)  يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته ، المتبعين لأمره ، التاركين لزجره ، وأطاب لهم لفظه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم . قال قتادة : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) يقول : فبرحمة من الله لنت لهم . و   ما   صلة ، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ، المائدة : 13 ] وبالنكرة كقوله : ( عما قليل ) [ المؤمنون : 40 ] وهكذا هاهنا قال : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : برحمة من الله . وقال الحسن البصري : هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به . وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] . وقال الإمام أحمد : حدثنا حيوة ، حدثنا بقية ، حدثنا محمد بن زياد ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : أخد بيدي أبو أمامة الباهلي وقال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :   يا أبا أمامة ، إن من المؤمنين من يلين لي قلبه   . انفرد به أحمد . ثم قال تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) الفظ : الغليظ ، [ و ] المراد به هاهنا غليظ الكلام ، لقوله بعد ذلك : ( غليظ القلب ) أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ، ولكن الله جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد الله بن عمرو : إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي ، حدثنا عمار بن عبد الرحمن ، عن المسعودي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض   حديث غريب . ولهذا قال تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث ، تطييبا لقلوبهم ، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم [ كما ] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب ، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [ شمالك ] مقاتلون . وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل ؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت ، بالتقدم إلى أمام القوم ، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ، فخرج إليهم . وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ ، فأبى عليه ذلك السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فترك ذلك . وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين ، فقال له الصديق : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال . وقال عليه السلام في قصة الإفك :   أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم ، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن - والله - ما علمت عليه إلا خيرا   . واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ، رضي الله عنها . فكان [ صلى الله عليه وسلم ] يشاورهم في الحروب ونحوها . وقد اختلف الفقهاء : هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟ على قولين . وقد قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر ، حدثنا سعيد بن [ أبي ] مريم ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في قوله : ( وشاورهم في الأمر ) قال : أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وهكذا رواه الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزلت في أبي بكر وعمر ، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين . وقد روى الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر :   لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما   . وروى ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم ؟ قال   مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم   . وقد قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شيبان عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   المستشار مؤتمن   . ورواه أبو داود والترمذي ، وحسنه [ و ] النسائي ، من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط منه . ثم قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أسود بن عامر ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   المستشار مؤتمن   . تفرد به . [ وقال أيضا ] وحدثنا أبو بكر ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم   إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه . تفرد به أيضا . وقوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أي : إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ( إن الله يحب المتوكلين ) nextback