📷 تابع فتح العراق موقعة الأبلة: كان من عادة الحروب في ذلك الوقت، تلك التي تكون الخيول والمبارزة بالسيوف من أعمدتها أن يقف الجيشان على مقربة من بعضهما البعض كل منهما يرى الآخر، ثم يخرج أحد المقاتلين من أحد الجيشين ويطلب المبارزة مع أحد المقاتلين من الجيش الآخر، في نوع من استعراض القوة بينهما. لكن هرمز كان يضمر في نفسه المكر والغدر بخالد بن الوليد؛ حيث قد نما إلى مسامعه أمر قوته وشجاعته، وأن قوة المسلمين في قوته، فكان أن عمد إلى أن يخرج هو ويطلب خالد بن الوليد باسمه للمبارزة، ثم تواطأ مع فرسانه على الغدر بخالد حين يشتبك معه بأن يهجموا عليه معه فيقتلوه. وبالفعل امتطى هرمز فرسه، وانطلق إلى وسط الميدان ينادي فيقول: رجل ورجل، أين خالد بن الوليد؟ فخرج إليه خالد وتقدم بفرسه حتى وصل إلى هرمز، والناس من الطرفين اشرأبَّت إليهما أبصارهم. والتقيا فاختلفا ضربتين، ابتدأه خالد بضربة فتلقاها هرمز، ثم ضرب هرمز ضربة تلقاها خالد، وما فتئ القتال يحتدم حتى أحاطت حامية كبيرة من الفرس بهما حتى اختفيا بينهم، مع ما كان لمثل هذا التصرف غير المتعارف عليه في حروب ذلك الوقت من سمعة سيئة ووصمة عار في جبين أصحابه. ومهما كان من أمر فإن خالد بن الوليد -كما يقول المؤرخون- قد اختفى عن الأنظار وسط هذه الحامية، إلا أن ذلك لم يشغله عن قتل هرمز، فظل يقاتله حتى قتله على فرسه! وظل يقاتل ويبارز تلك الحامية التي التفت حوله!! وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه ثاني اثنين من المسلمين عُدُّوا ممن يستطيعون المقاتلة بسيفين اثنين في وقت واحد، وكان الآخر هو الزبير بن العوام رضي الله عنه. وقد ظل خالد يقاتل في هذا الموقف الشديد حتى هبَّ لنجدته القعقاع بن عمرو -من عُدَّ بألف رجل- واستطاع ومن معه تخليصه من بينهم. في هذه الأثناء التحم الفريقان واستعَرَ القتال، وهجم المسلمون هجمة شرسة على الفرس، وقد فُتَّ في عَضُدِهم، وأخذ بهم (الفرس) الرعب كل مأخذ، خاصة بعد مقتل قائدهم (هرمز) أمام أعينهم في أول ضربة للمسلمين وأول قتيل للفرس. ووهنت قوتهم وضعفت عزيمتهم عن قتال المسلمين، وقد ركب المسلمون أكتافهم وأعملوا فيهم سيوفهم في قتال لم يعهد؛ حيث كان كل من يقتل يجر معه باقي من في سلسلته، فكان فأل سوء على أهل فارس، وقد قتل منهم عدد كبير جدًّا، ولم يُقتل من المسلمين عددٌ يذكر في هذه الموقعة، وقد سميت بموقعة ذات السلاسل. وكان من نتائجها أنِ اسْتحوذ خالد بن الوليد على كاظمة، وأخذ تاج هرمز (بمائة ألف درهم)، ثم أرسله هو وفيلاً كان في جيش الفرس ضمن خُمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق t في المدينة مع زَرّ بن كليب، وهو من صحابة رسول الله r، غير أن أبا بكر الصديق أعاد الفيل إلى خالد بن الوليد في كاظمة، ذلك الذي أدهش الناس في المدينة، حتى إن بعض النساء تساءلن: إن كان من خلق الله أو من صنع البشر! وقيل: إنه مات في طريق العودة. فبعد أن انتصر خالد بن الوليد في الكاظمة أرسل سويد بن قطبة إلى الأبلة لفتحها وكانت حصنًا كبيرًا، وقد خرج أهله للدفاع عنه، وحين وصل سويد بن قطبة إلى الأبلة كان قد أتى الليل فدخل أهل الحصنِ الحصنَ ولم يحدث قتال، وكان هذا من عادة الحروب في ذلك الوقت. وقد لحق خالد بن الوليد بسويد بن قطبة، وحين علم أهل الأبلة بذلك رفضوا أن يخرجوا من الحصن، وظلوا متحصنين به خوفًا من العُدَّة الكبيرة ومن خالد بن الوليد نفسه. وقد أخبر سويد خالدًا بأنهم قد خرجوا له لولا قدومه (قدوم خالد)، فأراد خالد أن يعمل معهم الحيلة حتى يتركوا الحصن ويستدرجهم إلى معركة خارجه، فكان أن توجه بجيشه نهارًا أمام الحصن في اتجاه الحيرة، وقد أوهم المقاتلين الفرس داخله أنه ذاهب لفتح الحيرة، وترك سويد بن قطبة وحده في مقدمة الجيش، وفي الليل عاد خالد بن الوليد خلسة في ظهر جيش سويد بن قطبة. ولما أصبح الصباح خرج جيش الفرس لقتال سويد ففوجئوا بالأعداد الضخمة، وفوجئوا بخالد بن الوليد في خلف الجيش، فدبَّ الرعب في قلوبهم وانكسرت معنوياتهم، فقال خالد بن الوليد لسويد: احملوا عليهم؛ فإني أرى هيئة قوم قد ألقى الله في قلوبهم الرعب . وبالفعل فكما يذكر المؤرخون فإن الفرس كانوا يسلمون رقابهم لسيوف المسلمين، حتى لكأنه لم يكن هناك قتال يُذْكَر من شدة رعب الفرس من قتال المسلمين، وانتصر المسلمون عليهم، وأرسل خالد بن الوليد معقل بن مقرن أحد الأخوة العشرة ليجمع السبي والغنائم من داخل الحصن. وبعد إرسال خمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق في المدينة، كان نصيب الفارس الواحد من المسلمين في هذه الموقعة ألف درهم، وهو رقم لم يعهده العرب في ذلك الوقت، ولم يكن العربي في هذه الفترة -كما يذكر المؤرخون- يحلم به وهو نائم!! ومن الأبلة أرسل خالد بن الوليد جيشًا لإخضاع باقي المنطقة، وقد انتهى المثنى بن حارثة إلى حصن المرأة على نهر يسمى نهر المرأة، وكان لأميرة فارسية تدعى كامورزاد، فترك عليه أخاه المُعَنَّى بن حارثة لفتحه، وتوجه هو إلى حصن الرجل وهو زوج كامورزاد ففتحه، ولما علمت بذلك كامورزاد تخلت عن الحصن وفتحه المُعَنَّى، وقد تزوجها بعد أن أسلمت. وبهذا يكون خالد بن الوليد قد فتح منطقة في جنوب العراق تكاد تكون ذات بأس وشدة، واستطاع أن يزلزل قلوب أهل فارس، الذين لم يتوقعوا لمرة واحدة أن يفكر العرب -مجرد تفكير- في حربهم!! كانت الخطة التي وضعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفتح بلاد فارس هي أن يتوجه خالد بن الوليد لفتح الحيرة في وسط العراق على نهر الفرات. وإتمامًا لهذه الخطة، وقبل أن يترك الأبلة كان خالد بن الوليد يعلم ما لميناء الأبلة من أهمية قصوى؛ فهو يقع جنوب غربي فارس (إيران الآن)، ويطل على الخليج العربي (الفارسي) وشط العرب، وكانت تأتيه السفن من الصين ومن السند والهند؛ لذلك وضع ثلاث حاميات على حدود الأبلة لحمايتها، إحداها بقيادة قطبة بن قتادة، والثانية بقيادة سويد بن قطبة، والثالثة بقيادة شريح بن عامر، وجعل على هذه الحاميات الثلاث قائدًا واحدًا هو سويد بن مقرن، وجعل مقره الحفير على أبواب الجزيرة العربية وآخر حدود جيش خالد بن الوليد حتى يحمي مؤخرته حماية أكيدة. وسويد بن مقرن هذا هو أحد الإخوة العشرة أبناء مُقَرِّن، الذين كان جميعهم في جيش خالد بن الوليد يجاهدون في سبيل الله، وقد ذُكر سويد قبل ذلك مرتين، المرة الأولى عندما خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بنفسه لحرب قبيلة بني شيبان عندما هجمت على المدينة في بداية حروب الردة، فكان سويد بن مقرن على مؤخرة الجيش، وكان أخواه النعمان بن مقرن وعبد الله بن مقرن الأول على الميمنة والثاني على الميسرة، وكان أبو بكر الصديق على المقدمة. وكانت المرة الثانية التي جاء فيها ذكر سويد بن مقرن حين كان على قيادة الجيش الحادي عشر المتجه إلى تهامة باليمن لحروب الردة، وهذه هي المرة الثالثة التي يذكر فيها سويد في هذه الحروب، وقد تركه خالد بن الوليد على هذه الحاميات، ووكَّله بجمع الجزية والخراج من هذه المنطقة، واتجه هو شمالاً.

تابع فتح العراق موقعة الأبلة: كان من عادة الحروب في ذلك الوقت، تلك التي تكون الخيول والمبارزة بالسيوف من أعمدتها أن يقف الجيشان على مقربة من بعضهما البعض كل منهما يرى الآخر، ثم يخرج أحد المقاتلين من أحد الجيشين ويطلب المبارزة مع أحد المقاتلين من الجيش الآخر، في نوع من استعراض القوة بينهما. لكن هرمز كان يضمر في نفسه المكر والغدر بخالد بن الوليد؛ حيث قد نما إلى مسامعه أمر قوته وشجاعته، وأن قوة المسلمين في قوته، فكان أن عمد إلى أن يخرج هو ويطلب خالد بن الوليد باسمه للمبارزة، ثم تواطأ مع فرسانه على الغدر بخالد حين يشتبك معه بأن يهجموا عليه معه فيقتلوه. وبالفعل امتطى هرمز فرسه، وانطلق إلى وسط الميدان ينادي فيقول: رجل ورجل، أين خالد بن الوليد؟ فخرج إليه خالد وتقدم بفرسه حتى وصل إلى هرمز، والناس من الطرفين اشرأبَّت إليهما أبصارهم. والتقيا فاختلفا ضربتين، ابتدأه خالد بضربة فتلقاها هرمز، ثم ضرب هرمز ضربة تلقاها خالد، وما فتئ القتال يحتدم حتى أحاطت حامية كبيرة من الفرس بهما حتى اختفيا بينهم، مع ما كان لمثل هذا التصرف غير المتعارف عليه في حروب ذلك الوقت من سمعة سيئة ووصمة عار في جبين أصحابه. ومهما كان من أمر فإن خالد بن الوليد -كما يقول المؤرخون- قد اختفى عن الأنظار وسط هذه الحامية، إلا أن ذلك لم يشغله عن قتل هرمز، فظل يقاتله حتى قتله على فرسه! وظل يقاتل ويبارز تلك الحامية التي التفت حوله!! وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه ثاني اثنين من المسلمين عُدُّوا ممن يستطيعون المقاتلة بسيفين اثنين في وقت واحد، وكان الآخر هو الزبير بن العوام رضي الله عنه. وقد ظل خالد يقاتل في هذا الموقف الشديد حتى هبَّ لنجدته القعقاع بن عمرو -من عُدَّ بألف رجل- واستطاع ومن معه تخليصه من بينهم. في هذه الأثناء التحم الفريقان واستعَرَ القتال، وهجم المسلمون هجمة شرسة على الفرس، وقد فُتَّ في عَضُدِهم، وأخذ بهم (الفرس) الرعب كل مأخذ، خاصة بعد مقتل قائدهم (هرمز) أمام أعينهم في أول ضربة للمسلمين وأول قتيل للفرس. ووهنت قوتهم وضعفت عزيمتهم عن قتال المسلمين، وقد ركب المسلمون أكتافهم وأعملوا فيهم سيوفهم في قتال لم يعهد؛ حيث كان كل من يقتل يجر معه باقي من في سلسلته، فكان فأل سوء على أهل فارس، وقد قتل منهم عدد كبير جدًّا، ولم يُقتل من المسلمين عددٌ يذكر في هذه الموقعة، وقد سميت بموقعة ذات السلاسل. وكان من نتائجها أنِ اسْتحوذ خالد بن الوليد على كاظمة، وأخذ تاج هرمز (بمائة ألف درهم)، ثم أرسله هو وفيلاً كان في جيش الفرس ضمن خُمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق t في المدينة مع زَرّ بن كليب، وهو من صحابة رسول الله r، غير أن أبا بكر الصديق أعاد الفيل إلى خالد بن الوليد في كاظمة، ذلك الذي أدهش الناس في المدينة، حتى إن بعض النساء تساءلن: إن كان من خلق الله أو من صنع البشر! وقيل: إنه مات في طريق العودة. فبعد أن انتصر خالد بن الوليد في الكاظمة أرسل سويد بن قطبة إلى الأبلة لفتحها وكانت حصنًا كبيرًا، وقد خرج أهله للدفاع عنه، وحين وصل سويد بن قطبة إلى الأبلة كان قد أتى الليل فدخل أهل الحصنِ الحصنَ ولم يحدث قتال، وكان هذا من عادة الحروب في ذلك الوقت. وقد لحق خالد بن الوليد بسويد بن قطبة، وحين علم أهل الأبلة بذلك رفضوا أن يخرجوا من الحصن، وظلوا متحصنين به خوفًا من العُدَّة الكبيرة ومن خالد بن الوليد نفسه. وقد أخبر سويد خالدًا بأنهم قد خرجوا له لولا قدومه (قدوم خالد)، فأراد خالد أن يعمل معهم الحيلة حتى يتركوا الحصن ويستدرجهم إلى معركة خارجه، فكان أن توجه بجيشه نهارًا أمام الحصن في اتجاه الحيرة، وقد أوهم المقاتلين الفرس داخله أنه ذاهب لفتح الحيرة، وترك سويد بن قطبة وحده في مقدمة الجيش، وفي الليل عاد خالد بن الوليد خلسة في ظهر جيش سويد بن قطبة. ولما أصبح الصباح خرج جيش الفرس لقتال سويد ففوجئوا بالأعداد الضخمة، وفوجئوا بخالد بن الوليد في خلف الجيش، فدبَّ الرعب في قلوبهم وانكسرت معنوياتهم، فقال خالد بن الوليد لسويد: احملوا عليهم؛ فإني أرى هيئة قوم قد ألقى الله في قلوبهم الرعب . وبالفعل فكما يذكر المؤرخون فإن الفرس كانوا يسلمون رقابهم لسيوف المسلمين، حتى لكأنه لم يكن هناك قتال يُذْكَر من شدة رعب الفرس من قتال المسلمين، وانتصر المسلمون عليهم، وأرسل خالد بن الوليد معقل بن مقرن أحد الأخوة العشرة ليجمع السبي والغنائم من داخل الحصن. وبعد إرسال خمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق في المدينة، كان نصيب الفارس الواحد من المسلمين في هذه الموقعة ألف درهم، وهو رقم لم يعهده العرب في ذلك الوقت، ولم يكن العربي في هذه الفترة -كما يذكر المؤرخون- يحلم به وهو نائم!! ومن الأبلة أرسل خالد بن الوليد جيشًا لإخضاع باقي المنطقة، وقد انتهى المثنى بن حارثة إلى حصن المرأة على نهر يسمى نهر المرأة، وكان لأميرة فارسية تدعى كامورزاد، فترك عليه أخاه المُعَنَّى بن حارثة لفتحه، وتوجه هو إلى حصن الرجل وهو زوج كامورزاد ففتحه، ولما علمت بذلك كامورزاد تخلت عن الحصن وفتحه المُعَنَّى، وقد تزوجها بعد أن أسلمت. وبهذا يكون خالد بن الوليد قد فتح منطقة في جنوب العراق تكاد تكون ذات بأس وشدة، واستطاع أن يزلزل قلوب أهل فارس، الذين لم يتوقعوا لمرة واحدة أن يفكر العرب -مجرد تفكير- في حربهم!! كانت الخطة التي وضعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفتح بلاد فارس هي أن يتوجه خالد بن الوليد لفتح الحيرة في وسط العراق على نهر الفرات. وإتمامًا لهذه الخطة، وقبل أن يترك الأبلة كان خالد بن الوليد يعلم ما لميناء الأبلة من أهمية قصوى؛ فهو يقع جنوب غربي فارس (إيران الآن)، ويطل على الخليج العربي (الفارسي) وشط العرب، وكانت تأتيه السفن من الصين ومن السند والهند؛ لذلك وضع ثلاث حاميات على حدود الأبلة لحمايتها، إحداها بقيادة قطبة بن قتادة، والثانية بقيادة سويد بن قطبة، والثالثة بقيادة شريح بن عامر، وجعل على هذه الحاميات الثلاث قائدًا واحدًا هو سويد بن مقرن، وجعل مقره الحفير على أبواب الجزيرة العربية وآخر حدود جيش خالد بن الوليد حتى يحمي مؤخرته حماية أكيدة. وسويد بن مقرن هذا هو أحد الإخوة العشرة أبناء مُقَرِّن، الذين كان جميعهم في جيش خالد بن الوليد يجاهدون في سبيل الله، وقد ذُكر سويد قبل ذلك مرتين، المرة الأولى عندما خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بنفسه لحرب قبيلة بني شيبان عندما هجمت على المدينة في بداية حروب الردة، فكان سويد بن مقرن على مؤخرة الجيش، وكان أخواه النعمان بن مقرن وعبد الله بن مقرن الأول على الميمنة والثاني على الميسرة، وكان أبو بكر الصديق على المقدمة. وكانت المرة الثانية التي جاء فيها ذكر سويد بن مقرن حين كان على قيادة الجيش الحادي عشر المتجه إلى تهامة باليمن لحروب الردة، وهذه هي المرة الثالثة التي يذكر فيها سويد في هذه الحروب، وقد تركه خالد بن الوليد على هذه الحاميات، ووكَّله بجمع الجزية والخراج من هذه المنطقة، واتجه هو شمالاً.

📷 تابع فتح العراق   موقعة الأبلة:    كان من عادة الحروب في ذلك الوقت، تلك التي تكون الخيول والمبارزة بالسيوف من أعمدتها أن يقف الجيشان على مقربة من بعضهما البعض كل منهما يرى الآخر، ثم يخرج أحد المقاتلين من أحد الجيشين ويطلب المبارزة مع أحد المقاتلين من الجيش الآخر، في نوع من استعراض القوة بينهما.  لكن هرمز كان يضمر في نفسه المكر والغدر بخالد بن الوليد؛ حيث قد نما إلى مسامعه أمر قوته وشجاعته، وأن قوة المسلمين في قوته، فكان أن عمد إلى أن يخرج هو ويطلب خالد بن الوليد باسمه للمبارزة، ثم تواطأ مع فرسانه على الغدر بخالد حين يشتبك معه بأن يهجموا عليه معه فيقتلوه.  وبالفعل امتطى هرمز فرسه، وانطلق إلى وسط الميدان ينادي فيقول:  رجل ورجل، أين خالد بن الوليد؟  فخرج إليه خالد وتقدم بفرسه حتى وصل إلى هرمز، والناس من الطرفين اشرأبَّت إليهما أبصارهم.  والتقيا فاختلفا ضربتين، ابتدأه خالد بضربة فتلقاها هرمز، ثم ضرب هرمز ضربة تلقاها خالد، وما فتئ القتال يحتدم حتى أحاطت حامية كبيرة من الفرس بهما حتى اختفيا بينهم، مع ما كان لمثل هذا التصرف غير المتعارف عليه في حروب ذلك الوقت من سمعة سيئة ووصمة عار في جبين أصحابه.  ومهما كان من أمر فإن خالد بن الوليد -كما يقول المؤرخون- قد اختفى عن الأنظار وسط هذه الحامية، إلا أن ذلك لم يشغله عن قتل هرمز، فظل يقاتله حتى قتله على فرسه! وظل يقاتل ويبارز تلك الحامية التي التفت حوله!!  وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه ثاني اثنين من المسلمين عُدُّوا ممن يستطيعون المقاتلة بسيفين اثنين في وقت واحد، وكان الآخر هو الزبير بن العوام رضي الله عنه.  وقد ظل خالد يقاتل في هذا الموقف الشديد حتى هبَّ لنجدته القعقاع بن عمرو -من عُدَّ بألف رجل- واستطاع ومن معه تخليصه من بينهم.  في هذه الأثناء التحم الفريقان واستعَرَ القتال، وهجم المسلمون هجمة شرسة على الفرس، وقد فُتَّ في عَضُدِهم، وأخذ بهم (الفرس) الرعب كل مأخذ، خاصة بعد مقتل قائدهم (هرمز) أمام أعينهم في أول ضربة للمسلمين وأول قتيل للفرس.  ووهنت قوتهم وضعفت عزيمتهم عن قتال المسلمين، وقد ركب المسلمون أكتافهم وأعملوا فيهم سيوفهم في قتال لم يعهد؛ حيث كان كل من يقتل يجر معه باقي من في سلسلته، فكان فأل سوء على أهل فارس، وقد قتل منهم عدد كبير جدًّا، ولم يُقتل من المسلمين عددٌ يذكر في هذه الموقعة، وقد سميت بموقعة ذات السلاسل.  وكان من نتائجها أنِ اسْتحوذ خالد بن الوليد على كاظمة، وأخذ تاج هرمز (بمائة ألف درهم)، ثم أرسله هو وفيلاً كان في جيش الفرس ضمن خُمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق t في المدينة مع زَرّ بن كليب، وهو من صحابة رسول الله r، غير أن أبا بكر الصديق أعاد الفيل إلى خالد بن الوليد في كاظمة، ذلك الذي أدهش الناس في المدينة، حتى إن بعض النساء تساءلن: إن كان من خلق الله أو من صنع البشر! وقيل: إنه مات في طريق العودة.  فبعد أن انتصر خالد بن الوليد في الكاظمة أرسل سويد بن قطبة إلى الأبلة لفتحها وكانت حصنًا كبيرًا، وقد خرج أهله للدفاع عنه، وحين وصل سويد بن قطبة إلى الأبلة كان قد أتى الليل فدخل أهل الحصنِ الحصنَ ولم يحدث قتال، وكان هذا من عادة الحروب في ذلك الوقت.  وقد لحق خالد بن الوليد بسويد بن قطبة، وحين علم أهل الأبلة بذلك رفضوا أن يخرجوا من الحصن، وظلوا متحصنين به خوفًا من العُدَّة الكبيرة ومن خالد بن الوليد نفسه.  وقد أخبر سويد خالدًا بأنهم قد خرجوا له لولا قدومه (قدوم خالد)، فأراد خالد أن يعمل معهم الحيلة حتى يتركوا الحصن ويستدرجهم إلى معركة خارجه، فكان أن توجه بجيشه نهارًا أمام الحصن في اتجاه الحيرة، وقد أوهم المقاتلين الفرس داخله أنه ذاهب لفتح الحيرة، وترك سويد بن قطبة وحده في مقدمة الجيش، وفي الليل عاد خالد بن الوليد خلسة في ظهر جيش سويد بن قطبة.  ولما أصبح الصباح خرج جيش الفرس لقتال سويد ففوجئوا بالأعداد الضخمة، وفوجئوا بخالد بن الوليد في خلف الجيش، فدبَّ الرعب في قلوبهم وانكسرت معنوياتهم، فقال خالد بن الوليد لسويد:  احملوا عليهم؛ فإني أرى هيئة قوم قد ألقى الله في قلوبهم الرعب .  وبالفعل فكما يذكر المؤرخون فإن الفرس كانوا يسلمون رقابهم لسيوف المسلمين، حتى لكأنه لم يكن هناك قتال يُذْكَر من شدة رعب الفرس من قتال المسلمين، وانتصر المسلمون عليهم، وأرسل خالد بن الوليد معقل بن مقرن أحد الأخوة العشرة ليجمع السبي والغنائم من داخل الحصن.  وبعد إرسال خمس الغنائم إلى أبي بكر الصديق في المدينة، كان نصيب الفارس الواحد من المسلمين في هذه الموقعة ألف درهم، وهو رقم لم يعهده العرب في ذلك الوقت، ولم يكن العربي في هذه الفترة -كما يذكر المؤرخون- يحلم به وهو نائم!!  ومن الأبلة أرسل خالد بن الوليد جيشًا لإخضاع باقي المنطقة، وقد انتهى المثنى بن حارثة إلى  حصن المرأة  على نهر يسمى نهر المرأة، وكان لأميرة فارسية تدعى كامورزاد، فترك عليه أخاه المُعَنَّى بن حارثة لفتحه، وتوجه هو إلى  حصن الرجل  وهو زوج كامورزاد ففتحه، ولما علمت بذلك كامورزاد تخلت عن الحصن وفتحه المُعَنَّى، وقد تزوجها بعد أن أسلمت.  وبهذا يكون خالد بن الوليد قد فتح منطقة في جنوب العراق تكاد تكون ذات بأس وشدة، واستطاع أن يزلزل قلوب أهل فارس، الذين لم يتوقعوا لمرة واحدة أن يفكر العرب -مجرد تفكير- في حربهم!!  كانت الخطة التي وضعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفتح بلاد فارس هي أن يتوجه خالد بن الوليد لفتح الحيرة في وسط العراق على نهر الفرات.  وإتمامًا لهذه الخطة، وقبل أن يترك الأبلة كان خالد بن الوليد يعلم ما لميناء الأبلة من أهمية قصوى؛ فهو يقع جنوب غربي فارس (إيران الآن)، ويطل على الخليج العربي (الفارسي) وشط العرب، وكانت تأتيه السفن من الصين ومن السند والهند؛ لذلك وضع ثلاث حاميات على حدود الأبلة لحمايتها، إحداها بقيادة قطبة بن قتادة، والثانية بقيادة سويد بن قطبة، والثالثة بقيادة شريح بن عامر، وجعل على هذه الحاميات الثلاث قائدًا واحدًا هو سويد بن مقرن، وجعل مقره الحفير على أبواب الجزيرة العربية وآخر حدود جيش خالد بن الوليد حتى يحمي مؤخرته حماية أكيدة.  وسويد بن مقرن هذا هو أحد الإخوة العشرة أبناء مُقَرِّن، الذين كان جميعهم في جيش خالد بن الوليد يجاهدون في سبيل الله، وقد ذُكر سويد قبل ذلك مرتين، المرة الأولى عندما خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بنفسه لحرب قبيلة بني شيبان عندما هجمت على المدينة في بداية حروب الردة، فكان سويد بن مقرن على مؤخرة الجيش، وكان أخواه النعمان بن مقرن وعبد الله بن مقرن الأول على الميمنة والثاني على الميسرة، وكان أبو بكر الصديق على المقدمة.  وكانت المرة الثانية التي جاء فيها ذكر سويد بن مقرن حين كان على قيادة الجيش الحادي عشر المتجه إلى تهامة باليمن لحروب الردة، وهذه هي المرة الثالثة التي يذكر فيها سويد في هذه الحروب، وقد تركه خالد بن الوليد على هذه الحاميات، ووكَّله بجمع الجزية والخراج من هذه المنطقة، واتجه هو شمالاً. nextback