#فلنكن_على_بصيرة

#فلنكن_على_بصيرة #النار_والهشيم عندما تحتوي الفكرة على أدوية لما في المجتمع من أدواء، وحلولٍ لما به من مشكلات، فإنها تتقبلها العقول بتلهّف، وتتشربها النفوس حتى الارتواء، وتنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم.. كنا يوماً ما بلا حرية، بلا كرامة، بلا أمن، بلا زيارة، حتى بلا محاكمة.. بلا أدنى حق من حقوق السجناء.. مقطوعين عن العالم الخارجي كأننا الأحياء في القبور.. وتلعب بنا العواطف والمشاعر والذكريات، حتى ليكاد يقتلنا شوقاً قول أحد إخواننا: يا راكباً إمّا وصلت ديارنا... فاسلك إلى تلك الشعاب سبيلاً واقرأ عليها من سلامي سورةً... إني جعلتك للغرام رسولاً فنعيش مع هذين البيتين وغيرهما أحلامنا الحزينة، ونستغرق فيها حتى يقطعها علينا في إحدى الأماسي ضجيجٌ قويٌ هزّ أركان السجن، آتٍ من الجناح المجاور، وحركاتُ أقدام جنود الشرطة العسكرية بالعشرات صعوداً إلى ذلك الجناح.. ما الذي حصل؟ بالتأكيد إنها مشكلة، لكن ما هي؟ لم نعلم ماذا كان ليلتها إلا بعد مدةٍ قررت فيها إدارة السجن العتيد قسم ذلك الجناح إلى قسمين، وتوزيعهما على جناحنا والجناح الذي يقع خلفنا. وكان نصيب مهجعنا بضعة شباب من ذلك الجناح، فبادرناهم بعد الترحيب بالسؤال: ماذا حصل عندكم في تلك الليلة الغريبة؟ فأجابوا بأن شرطياً ضرب أحد إخواننا، وأنزله إلى المنفردة عقاباً، فطالبنا به، فلم يردوا علينا، فلم نطق صبراً، وعبّرنا عن غضبنا بالضرب على أبواب المهاجع بقوة.. نعم، المهاجع العشرة تمالأت على الضرب على أبواب الحديد الكبيرة في وقت واحد، فحدثت تلك الضجة الرهيبة، وخاف الشرطة والمساعدون من تطور الأمر وأخرجوا لنا صاحبنا! أيوااا.. إذاً يمكن لنا أن نطالب ببعض حقوقنا، وإذا لم نعط إياها فهناك وسائل شرعيةٌ كثيرة للاحتجاج.. ومثل ماذا هذه الوسائل؟ لم نعرف يومها إلا الضرب على الأبواب مثلاً.. وجاء الوقت المناسب، عندما أخرج رقيبٌ أحدَ إخواننا من مهجعه في ليلةٍ أخرى كتلك، وبدأ يضربه في الجناح على مسمع من المهاجع العشرة، لكي يجبره على الاعتراف بأنه كان يسرق الكهرباء! فقد رأى مهجعه مُناراً في وقت كان التيار الكهربائي فيه مقطوعاً عن الجناح! كنا نصغي جميعاً إلى تأوهات أخينا كأن على رؤوسنا الطير.. كانت ضربات الرقيب تنزل على قلوبنا قبل أن تنزل على جسد أخينا.. وعندما فشلت محاولات البعض باستلطاف الرقيب واسترضائه لثنيه عن متابعة الضرب تذكّر أحدُنا أن هناك أسلوباً للاحتجاج على الظلم أقوى من الاستلطاف والاسترضاء، بل ومجرباً أيضاً، فهجم على الباب الكبير يضربه بكلتا يديه، وما إن سمع الجميعُ أولى تلك الضربات حتى انهالوا في كل المهاجع على الأبواب يضربونها بكل ما أوتوا من قوة.. وهكذا حدث رعد مزلزل، حطّم معنويات الرقيب ودفعه إلى محاولة استلطاف من كان يضربه واسترضائه، متوسّلاً إليه أن يخبر رفاقه أنه توقف عن ضربه، ويطلب منهم التوقف عن ضرب الأبواب! هذه كانت شرارة الاستعصاء الذي حدث صباح اليوم التالي عندما جاء مدير السجن بنفسه لتأديب المتمردين.. فكان تمرداً حقيقياً استمر خارجاً عن السيطرة عشرة أشهر، لم يحدث في سوريا قبله مثله ولا حدث بعده، نلنا بعده كمّاً كبيراً من حقوقنا رغم أنف سجانينا، بعد أن استشهد فيه لنا ستون أخاً، وكان مقدمة نفسية، وصورة مصغرة لما عاشته سوريا بعده من أحداث.. واليوم، ومع بداية ثورتنا لعامها السابع، وفي ما تبقى من مناطقنا المحررة، آن أن تشتعل نار الثورة من جديد، لتحرق الهشيم المنتظِر، قبل أن تذروه الرياح.. وكان الله على كل شيء مقتدراً.. 15 آذار 2017 م عبدالحميد عبد الحميد

فلنكن_على_بصيرة

#فلنكن_على_بصيرة منقولالثورةالسلوك_والمفاهيمخلافة_الراشدينذكرى_هدم_الخلافةالنار_والهشيمتفكير_أم_عمىالقيادة_السياسية_الراشدة